Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

زاد الدعاة

شبهات لغوية {ولكن البر من آمن}

أضف الصفحه إلى 2017-08-11


كتب:

حديثنا اليوم عن شبهة لغوية تعلق بها بعض من لا حظ له من علم ولا دين، وتدور هذه الشبهة حول قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبَل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله} (البقرة:177) وحاصل ما تعلقوا به: أنَّ ثمة خطأ في التركيب - معاذ الله من هذا القول - في قوله تعالى: {ولكن البرَ من آمن بالله} إذ جاء باسم الفاعل (آمن) بدل المصدر ( برُّ ) وأن الأصوب - حسب هذا الزعم - أن يقال: ولكن البر أن تؤمنوا بالله؟! لأن البر هو الإيمان، لا مَن آمن!

والجواب عن هذه الشبهة، أن يقال أولاً: إن القرآن الكريم ليس كلام بشر، يخضع لمعايير النقد اللغوي وغيرها، إذ هو كلام رب العالمين: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت:42) فإذا كان هذا شأنه فلا يصح فيه ما يصح في كلام الناس، بل هو الحَكَم والقاعدة في كلام الناس.

ثم يقال ثانيًا: إن قوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله} (البر) ها هنا: اسم جامع للخير، والتقدير كما قال أهل العلم: ولكن البرَ برُّ من آمن، فحُذف المضاف؛ وهذا جائز ومعهود في اللغة، كما قرر ذلك النحويون، إذ قالوا: "يجوز أن يُحذف ما عُلم من مضاف أو مضاف إليه...ثم أضافوا فقالوا: إن كان المحذوف المضاف، فالغالب أن يخلفه في إعرابه المضاف إليه " وهذا كقوله تعالى: {واسأل القرية} (يوسف:82) أي: واسأل أهل القرية، إذ القرية لا تُسأل عقلاً ولا شرعًا؛ وكقوله أيضًا: {وأُشربوا في قلوبهم العجل} (البقرة:93) أي: وأُشربوا في قلوبهم حُبَّ العجل، إذ يستحيل عقلاً وواقعًا شرب العجل! ومن هذا الباب، قوله تعالى في غير آية: {وعملوا الصالحات} أي: وعملوا الأعمال الصالحات. وهذا أسلوب معهود في القرآن الكريم، لمن كان على بسطة من العلم بأسلوبه، وهو أيضًا أسلوب جارٍ على سَنَن اللغة العربية؛ قالت الخنساء تصف ساحات المعركة:

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار

أي: ذات إقبال، وذات إدبار .

وقال النابغة:

وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب

أي: كخلالة أبي مرحب، فحذف المضاف (الخلالة) واكتفى بما دلَّ عليه، وهو المضاف إليه (أبو مرحب) وهو كنية الظل.

قال الزمخشري في تفسيره "الكشاف": {ولكن البرَ من آمن بالله} أي: ولكن البر الذي ينبغي أن يُهتم به، برُّ من آمن بالله.

ويُجاب أيضًا على هذه الشبهة، بأن كلمة: {آمن} في الآية الكريمة، ليست اسم فاعل، كما تعلق بذلك أصحاب هذه الشبهة، بل هي فعل ماضٍ، واسم الفاعل من هذه المادة إنما هو (مؤمن).

وقيل أيضًا في توجيه الآية: ولكن ذا البر، كقوله تعالى: {هم درجات عند الله} (آل عمران:163) أي: ذوو درجات. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وفرضت الفرائض، وصرفت القبلة إلى الكعبة، وحدَّت الحدود، أنزل الله هذه الآية، فقال: ليس البر كله أن تصلُّوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر -أي: ذا البر- من آمن بالله، إلى آخرها، قاله ابن عباس وغيره.

ويجوز عند بعض أهل العلم أن يكون البر هنا، بمعنى: البار، إذ اسم الفاعل قد يكون بمعنى المصدر، كما يقال: رجل عدل، وصوم، أي: ذو عدل، وذو صوم؛ وفي التنـزيل، قوله تعالى: {قل أريتم إن أصبح ماؤكم غورًا} (الملك:30) أي: غائرًا، ويؤيد هذا التوجيه قراءة من قرأ: ولكن (البار).

إذا تبين هذا، عُلم أن هذا الأسلوب القرآني لا مأخذ عليه، وأن ما فعلناه هنا هو من باب مجاراة المعترض في اعتراضه فحسب، وإلا فالأصل عدم اعتبار أي اعتراض يوجَّه إلى كتاب الله الكريم، إذ هو كلام رب العالمين: {ومن أصدق من الله حديثا} (النساء:87).
تعليقات على الموضوع
لا توجد تعليقات مضافة للمقالة
أضف تعليق
الاســــم :
عنــــوان التعليق :*
التعليـــق *:
أدخل كود التأكيد: captcha security code
* بيانات مطلوبة