موسم من مواسم الطاعة ، يطل علينا من جديد ، سوق من اسوق الحسنات يظللنا من بعيد محطة جديدة ، يتزود المؤمن من خلالها في طريقه الي الله ،يتعبد المؤمن في ردهاتها لله ، دواء لكل داء ،وزاد لكل سفر ، وشفاء من كل مرض ووقاية من كل خطر ،كيف ؟ !!.. كما انه لكل شمس انوار و لكل ليل نهار... فإنه لكل عبادة اسرار و لكل طاعة ثمار، لكنما هناك ثمرة تجمع بين الطاعات ، وتستخرج من كل العبادات ، ثمرة يانعة وارفة الظلال ،ووقاية عاصمة من كل ضلال ، انها التقوي ، اتقاء الشهوات ، اتقاء الشبهات ، اتقاء المعاصي والسيئات ، تقوي الله عزوجل : ماهي ؟ ...
التقوي ما هي ؟!
ان يراك الله حيث امرك ، وان يفتقدك حيث نهاك .
أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه وقاية، تقيه منه .
عمر بن الخطاب رضي الله عنه لاحد ابناءه :أما بعد... فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل الذي لا بد لك من لقائه، ولا منهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة .
علي بن ابي طالب رضي الله عنه : الخوف من الجليل ، والعمل بالتنزيل ،والرضا بالقليل ، والاستعداد ليوم الرحيل .
ابي بن كعب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما : اوما سلكت طريقا به اشواك ، نعم ، فما فعلت ، شمرت فاجتهدت ، قال ابي : كذلك التقوي ان تشمر عن الذنوب والسيئات .
ابن عباس رضي الله عنهما: المتقون: الذين يحذرون من الله وعقوبته .
ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى "اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ( "آل عمران:102) قال( أن يُطاع فلا يُعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر ) .
التقوي وصية الله ورسوله للامة :
التقوي وصية الله للاولين والاخرين "وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً " (النساء 131 )
والتقوي كذلك وصية النبي صلي الله عليه وسلم لكل مسلم : عن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم(اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ). حديث حسن رواه أحمد والترمذي ،علاقتك مع ربك ان تتقيه حيثما كنت،علاقتك مع نفسك ان تطهرها من الذنوب والسيئات في اي وقت ، وعلاقتك مع غيرك ان تخالقهم بخلق حسن اينما سرت.
التقوي أيضاً: وصية الرسول لامته: عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال:اتقوا ربكم وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم وكان عليه الصلاة والسلام إذا بعث أميراً على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً.
لماذا هذه الوصية ؟..!
كيف لا والتقوي خير زاد :" وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ " (البقرة 197 ) .. عن ابن عباس قال كان أهل اليمن يحجون فلا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله تعالى :" وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ " (البقرة 197 ). رواه البخاري.
كيف لا والتقوي خير لباس "يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ " (الأعراف26 ).
كيف لاوالتقوي خيرميراث " تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً "(مريم63 )
كيف لا والتقوي خير تركة لاولادك ولمن بعدك " وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً " (النساء9 )
ارسل الله لعلامين يتيمين نبي كريم ( موسي عليه السلام ) وولي حكيم ( الخضر رضي الله عنه ) لماذا ؟ لصلاح ابويهما - كان الجد السابع-( بن كثير)وليحفظا لهما كنزهما
عن عثمان بن عفان أنه قال في قوله تعالى "وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً "
(الكهف82 )قال: الكنز لوح من ذهب وعليه سبعة أسطر مكتوب في إحداهما: " عجبت لمن عرف الموت وهو يضحك، و عجبت لمن عرف أن الدنيا فانية وهو يرغب فيها، وعجبت لمن عرف الحساب وهو يجمع المال، و عجبت لمن عرف النار وهو يذنب، و عجبت لمن عرف الله يقيناً وهو يذكر غيره، و عجبت لمن عرف الجنة يقيناً وهو يستريح بالدنيا، و عجبت لمن عرف الشيطان عدوًّا فأطاعه."
التقوي تفرج الكرب وتزيل الهم وتزيد الرزق :
التقوي تفريج الكروب ،وغفران الذنوب ، ومواجهة الخطوب استزادة الارزاق ،
عن محمد بن إسحاق رضي الله عنه قال جاء مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أسر ابني عوف فقال أرسل إليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فأتاه الرسول فأخبره فأكب عوف يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها فأقبل فإذا هو بسرح القوم فصاح بهم فأتبع آخرها أولها فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب فقال أبوه عوف ورب الكعبة فقالت أمه وأسوأتاه وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد فاستبق الأب والخادم إليه فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلا فقص على أبيه أمره وأمر الإبل فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعا بإبلك
ونزل " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه "(الطلاق 3).
حب الله ومعيته لك ان كنت تقيا :
التقوي تستجلب لك حب ربك " إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ " (التوبة4 )
التقوي تجعلك تصتحب معية الله وما اعظمها"إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ "(النحل128)... "..وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
"(التوبة123) َوتجعل لك العاقبة " والْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ " (هود49 ) وتجعل الجنة هي التي تبحث عنك وتقترب منك " وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ " (لشعراء90 ).." وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ " (ق31 ).
التقوي..تقي ..تجمع ..تؤلف..تنقي.. تستقم مع الجوهر لا المظهر :
التقوي وقاية ، سياج ، حاجز ، تحجز بينك وبين ما حرم الله عز وجل ..كيف ؟
قلب المومن هو محل نظر الله (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) صحيح .. لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم ولا يخذله ولا يحقره التقوى هاهنا - وأشار إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه . عن ابي هريرة ، تخريج السيوطي (صحيح).
يستقيم الامر عند المؤمن ، في مظهره وجوهره ، في سره وعلانيته ،في حركاتة وسكناته ، في مرضه وصحته ، في ضعفه وقوته ، غنيا او فقيرا ، حاكما او محكوما التقوي تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }القصص83التقوي تجمع بين القلوب ، وتساوي بين الرؤوس ، و تؤلف بين الارواح : عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: ( يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلغت قالوا بلى يا رسول الله ) صحيخ رواه البهيقي.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلي الله عليه وسلم : ( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ) صحيح ، سنن ابو داوود ..
داوود عليه السلام يسال ربه :من احب العباد اليك ، قال الله عز وجل ، احب العباد الي تقي القلب نقي الكفين لا ياتي لاحد بسوء ، ولا يمشي بين الناس بالنميمة .و عن عبد الله بن عمرو قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أفضل قال كل مخموم القلب صدوق اللسان قالوا صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب قال هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ، سنن بن ماجه... صحيح
قلب التقي خال من الحقد والكراهية لاحد من المسلمين ، فيه صفاء وفيه نقاء ، التقوي تصحبك وانت ذاهب لملا قاة ربك ، فهي الانيس في الوحشة ،وهي الرفيق في الوحدة ،وهي النور في الظلمة ،وهي النجاة في الازمة وهي الفوز بالجنة ،وهي النجاة من النار ،ذهب علي بن ابي طالب كرم الله وجهه الي المقابر يوما فقال لهم ، ان بيوتكم قد سكنت ، ونسائكم قد زوجت ،واموالكم قد قسمت ، هذا ما عندنا فماذا عندكم ..؟! قال : لو استطاعوا ان ينطقوا لقالوا " وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى " (البقرة 197 )
التقوي والفرائض :
تقوي الله عز وجل ، تهدي الي كل نجاح في الحياة ، وتستقي من كل فرائض الله:
" لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " (البقرة177 َمْ ) ... كما انها تسوق الي كل في فلاح في الاخرة ،عند لقاء الله :" تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " (القصص83
الصلاة والزكاة ، والصدقة والجهاد، والصبرعلي الفقر(الباساء) والبلاء (الضراء) والحرب (حين الباس) وقبل كل ذلك الايمان من اخلاق اهل التقوي.
الصوم ايمانا واحتسابا يثمر التقوي :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (البقرة183 ) .
اخلاق المتقين :
المسارعة الي المغفرة والجنة بالاعمال الصالحة ، امر من الله للمتقين "وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" ( العمران 133) من هم ؟ ما صفاتهم ؟ ما خصائصهم ؟ ما اخلاقهم ؟ الانفاق في السراء والضراء بالصدقة الطيبة ، والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، رغم انهم يستطيعوا ان يردوا الصاع صاعين ، واللطمة لطمتين ، الا انهم يكظموا ويحسنوا ، ويعفوا ويصفحوا "الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"( ال عمران 134) ، والصلح مع الله بالذكر الدائم والتوبة النصوح ،سرعان ما يعرفون خطأهم ، ويستغفرون من ذنبهم ،ويذكرون خالقهم ويعودون الي رازقهم " " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"( ال عمران 135) نتيجة هذه الاخلاق "أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ" (ال عمران 136) .
حبر من احبار االروم يقول لعمر بن الخطاب :عندكم اية في القران تجمع بين كل ما جاء في الكتب السماوية ، قال عمر ما هي ، قال :" وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ " (النور52 ) ..قال عمر اعنك تفسير لهذه الاية ؟ قال الرجل : من يطع الله في الفرائض ، والرسول في السنن ويخشي الله فيما مضي ويتقه فيما هو ات ، فقد فاز فوزا عظيما .فقال عمر صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي اوتي جوامع الكلم . و قال قتادةفي تفسير الاية : يطع الله ورسوله فيما أمراه به وترك ما نهياه عنه ويخش الله فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل وقوله " فأولئك هم الفائزون " يعني الذين فازوا بكل خير وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة .
إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " (المائدة27 ):
انما يتقبل الله من اهل التقوي " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " (المائدة27 )
قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً من العمل، ألم تسمعوا قول الله عز وجل " إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين " ( المائدة 27 )
و سئل الإمام أحمد عن معنى المتقين في هذه الآية فقال: يتقي الأشياء فلا يقع فيما لايحل له و جاء عن أبي الدرداء انه قال: لإن أستيقن أن الله تقبل مني صلاةً واحدةً أحب إليّ من الدنيا وما فيها إن الله يقول: "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين "
كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها ولا يرحم إلا عليها ولا يثيب إلا عليها فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل.
ودخل سائل على ابن عمر - رضي الله عنه - فقال لابنه اعطه ديناراً فاعطاه، فلما انصرف قال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه فقال: لو علمت أن الله تقبل مني سجدةً واحدةً أو صدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت تدري ممن يتقبل الله "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين" وروى ابن جرير عن عامر بن عبدالله العنبري أنه حين حضرته الوفاة بكى، فقيل له ما يبكيك فقد كنت وكنت؟ فقال يبكيني أني أسمع الله يقول
"إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين"فمن منا أشغله هذا الخاطر!! قبول العمل أو رده، في هذه الأيام؟ ومن منا لهج لسانه بالدعاء أن يتقبل الله منه هذه الاعمال؟
كيف تكون تقيا ؟؟
كيف تكون تقيا ؟ ان تاتمر بامر الله وتنتهي عن نواهيه ، ان تاتمر بامر رسول اللهوتنتهي عن نواهيه "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " (الحشر7 ).. "مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً " (النساء80 ) كلام الرسول مكتوب ، وسنته لا زالت تضيء في الافاق وفي القلوب ، فلنعمل بها ، ونحياها ، ونعيشها ،القران بين ايدينا والسنة بين ايدينا ، لكنن تخلفنا يوم بعدنا عنهما ، وتركنا نورهما .
كيف تكون تقيا ؟ان تؤمن بقضاء الله عز وجل ، وتعلم ان اي قضاء يصيبك لك فيه امران :
اولا: انك مملوك لمالك ، ومن المالك ؟..انه الله خل في علاه ، انت ملك لله ، اموالك اولادك، صحتك وحياتك، جاهك و سلطانك ، كل ذلك ملك للمالك ، "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (آل عمران26 ).
"إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ " (البقرة156 ).. أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ
اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " (الأعراف54 ) .
ثانيا : ان الله تعالي لا يقضي قضاء الا علي علم وحكمة ، الاعلي خير
وررحمة " وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " (البقرة216 ) .. قد يكون الخير كامنا في الشر .
كيف نكون تقيا ؟ ان تتقي الله في نظرك فلا تتبع عورات الناس ، ان تتقي الله في بصرك فلا تتابع النظرات الخائنة ، لان الذي خلقه لك ووهبك اياه ومتعك به " يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ " (غافر19 ) .
كيف تكون تقيا ؟ ان تتقي الله من قلبك في البيع والشراء والحلف ، يقول النبي : الحلف منفقة للبركة ممحقة للسلعة ، لا تغش لان من غشنا فليس منا ، لا ترتشي ، لان الله لعن المرتشي والرائش ( الذي يمشي بين الطرفين )، لاتبع عيبا ، عن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من باع عيبا لم يبينه لم يزل في مقت الله أو لم تزل الملائكة تلعنه . رواه ابن ماجه..انها اعمال القلوب ...، فاذا كانت مريضة.. سلعة تالفة تجد من يمررها ، بضاعة فاسدة تجد من يروجها ،اغذية مغشوشة قاتلة تسلك طريقها الي بطون الناس ..لماذا ؟ غابت التقوي ، ذهب الضمير ، تلاشي الخوف من الله ، لذلك ينتشر الفساد والافساد في الارض ، لذلك تنتشر الامراض العضال بين الخلق ، فساد يدمر البلاد ، واوبئة تفتك بالعباد ، خداع ونفاق ،تزوير وتزييف ، تعديات وسرقات !! كل ذلك من غياب تقوي الله عزوجل الا من رحم ربي وعصم " أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ " (ص28 ) .
التقوي تفتح الطريق لكل ابواب الخير:
لا يتم النصر الا بالتقوي " بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ آل عمران" (125 ).
التقي يغض الصوت عند رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وسواء كان ذلك في حياته، أو بعد وفاته في قبره قال تعالى"إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى "(الحجرات 7).
التقي لا يضره كيد الاعداء " وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا "(آل عمران120 ) .
التقي يعظم شعائر الله : "وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ "(الحج32(
التقي: ينال رحمة الله، وهذه الرحمة تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة، "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ " الاعراف
المتقين لهم في الجنة غُرفٌ مبنيةٌ من فوقها غُرف، قال تعالى:" َلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ " (لزمر 20 ) .
المتقين لا يمسهم السوء يوم القيامة، قال تعالى"وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ " )الزمر:61).
التقى: يسرح في انهار الجنة : فهذا نهر من ماء غير آسن، وذلك نهر من لبن لم يتغير طعمه، وآخر من خمر لذة ااشاربين، قال تعالى"مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ "(محمد:15).
التقوى: تفتح الطريق لبركات السماء والأرض، قال تعالى"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ " (الأعراف:9( .
التقوي زاد يحسن موقفك مع الله ، ويمهد طريقك الي الحنة ، ويحجب وجهك عن النار" كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ " (آل عمران 185 ) .
التقوى لاتتقيد بمكان ولاتتحدد بزمان ولكن المحك الحقيقي لها في الخلوات... فالتقي هو من يصرف بصره عن الحرام ولو لم يره أحد والتقي من يتعفف عن أكل المحرمات ولو لم يطلع عليه أحد لأنه يعلم علم اليقين أن الله يراه وأن الله يراقبة وأن الله يشاهده وتقوى الله حاضرة في ذهنه في كل حين ،والتقوى موضعها القلب وتظهر آثارها على الجوارح بعمل الطاعات واجتناب المحرمات ،فليفتش كل منا عن تقواه، وليزن نفسه بميزان التقوى، وعلى قدر تقواه وخوفه من الله وخشيته له يكون جزاءه "ِإنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ " (لقمر55 )
اللهم اغننا بالعلم وزينا بالحلم واكرمنا بالتقوي وجملنا بالعافية ، اللهم ارزقنا الاخلاص في القول والعمل ،ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ،وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي اهله وصحبه وسم ،والحمد لله رب العالمين .
khameselnakeeb@yahoo.com