ليس غريبًا أن ترى امرأةً قروية تحمل فوق رأسها خبزًا وعسلاً في طستٍ، هو من الضخامة بمكان، أو تراها تحمل الطست نفسَه وقد مُلئ دجاجًا وبطًّا وإِوَزًّا تسعى في كسْب رزقها ببيعه، أو تراها تحمل كمية لا بأس بها من السمن والجبن واللبن لذات الغرض، بينما لا تسمح لعنقها القوي أن يتحرَّك يَمْنة أو يَسْرة، وإلا لذهبتْ آمالُ يومها أدراجَ الرياح.
ولكن العجيب في الأمر أن ترى امرأة بسيطة، نحيفة الجسم، وقد حملت فوق رأسها باب دولاب غرفة نومها، وقد تمدَّدت فوقه طفلة مكسورة القدم، لا يقلُّ عمرُها عن اثني عشر عامًا كاملة، تسير بهذا الحمل في الغيطان والأراضي الطينية الملساء، التي يشبه السيرُ فيها التزحلقَ على جليد زلق، لا تقوى الأقدام على الثبات على سطحه.
استقرَّتْ سيارة الأجرة التي كنت أركبها يومًا من مدينتي إلى قرية قريبة منها؛ لأصل إلى المدرسة، مكان عملي، حيث أعمل مدرسًا بمدرسة إعدادية، وما أن غاصتْ قدماي في وَحْل أرض القرية، حتى وقعتْ عيناي على المرأة وقد علاها ذلك الحِملُ الذي تنوء به العُصبةُ، لم أستطع منْعَ عينيَّ من النظر إلى هذا المشهدِ الذي لم أرَ مثله في حياتي، وفي الغالب لن أرى مثله بعده.
وقفت مدهوشًا أمام الفتاة الصغيرة، التي رأيتُ بياض جبيرتها التي وصلتْ إلى نصف الركبة من أعلى، وحتى أخمص القدمين، ممسكةً بكتاب - يبدو أنه كتاب مدرسي - وتقرأ فيه بتمعُّن وتركيز شديدين، والأم تنزل آخر درجات سلم الكوبري، الذي يربط ضفتي الترعة الصغيرة التي تسكن الفتاة وأمها على ضفتها المقابلة لتلك التي عليها المدرسة التي أعمل بها.
تنزل بحذر مبالَغٍ فيه حتى كدتُ أصرخ فيها - من شدة مبالغتها -: أنْ أنجزي؛ لأرى ما بعده، ولكنني انتبهتُ إلى احتمال كونها قد مرتْ بتجربةٍ انزلقت فيها قدماها فوقعتْ - أو كادت - هي والبنت من فوقها، فأحجمت عما انتويتُه، وجدتُ هذه الكتلة البشرية العجيبة تتحرَّك لتعبر الطريق السريع، وما أدراك ما الطريق السريع؟! نعم، هو طريق يتناسب حجمه مع قرية صغيرة من قرى مصر، بَيْدَ أن سائقينا لا يتعاملون معه وَفق هذه الصفة، ولكنهم يسيِّرون فيه سياراتهم كأنما يدعسون أَسْفلته الذي يعتقدونه ذئبًا سفك دمَ يوسف بن يعقوب زورًا وبهتانًا.
وقفتِ المرأة على جانب الطريق تحاول المرور، ولا أدري حتى هذه اللحظة: ما الذي ألجمني عن مساعدتها بأية طريقة؟ ولكن يبدو أن غرابة المشهد أزعجتني وأعجزتني عن الحركة، حتى أُسدل عليه الستار.
لم تكد تحرِّك قدمًا باتجاه الطريق، حتى تبادرها سيارةٌ من الجانب الآخر، فتعود أدراجها وتُوَسِّط باب الدولاب على رأسها من جديد بِرَفْعَة من جسدها، ليرتفع معها جسدُ ابنتها ذات القدم المكسورة، تكرر المشهد عدة مرات، ومع كل مرة كاد قلبي أن يقف خشيةَ أن يقع أمام ناظري حادثٌ بشع تستدعيه ذاكرتي طوال حياتي، حتى مرَّ الأمر بسلام، واستطاعتِ المرأة النحيلة أن تعبر الطريق، بعد أن أبطأ سائقٌ شهم سيارتَه، فهرولتْ دون إبداء إشارة شكر أو امتنان.
تنفستُ الصعداء، وتذكرتُ أني تأخرت عن التوقيع في دفتر الحضور بالمدرسة، فأسرعت الخُطى؛ ولكن يحدوني فضولٌ لا حدَّ له أن أعرف المصير الأخير لفتاة الدولاب هذه، فلم أكد أعبر الشارع أنا الآخر بخطاي المتسارعة، التي تقدِّم رجلاً وتؤخِّر أخرى لأعيد النظر إلى الفتاة وأمها، حتى وقع ما كنت أخشاه حيث أمطرت السماء، بدأتْ بقطرات وئيدة السقوط، وأخذتْ في الازدياد حتى صارت مطرًا ثجَّاجًا، وبدأتِ الأرض تميد من تحت المرأة، حتى لم تجد بدًّا من أن تسير الهوينا؛ حتى لا تنزلق قدمُها، فتصبحَ القدم المكسورة قدمين أو تزيدا.
ظلَّتْ تكابد المسير ويكابدها، وأرقبها - رغم تأخري - حتى كادتْ تلحق بي، ثم توجهتْ صوب المدرسة نفسها التي أعمل بها، دلفتُ سريعًا ووقّعتُ في دفتر التأخير بالطبع، ثم انطلقت أرقبها فلم أجد لها أثرًا، بحثت كثيرًا ولا فائدة.
ظللتْني سحابةٌ من الكآبة أني لم أعرف كيف انتهى بها الحال، ولكنني اكتفيت بهذا القدر ورُحت مرة أخرى إلى غرفة مدير المدرسة، فاليوم هو آخر أيام امتحانات آخر العام، بحثت عن اللجنة التي أدرجتْني الإدارة لأراقب بها، اللجنة رقم ثلاثة، لجنة خاصة، لم أفهم معنى كونها لجنةً خاصة، لم تستهوني معرفةُ المعنى بقدر ما كان يشغل بالي من حال تلك المرأة، انطلقتُ إلى مكان اللجنة، غرفة التربية الرياضية بفناء المدرسة، غرفة واسعة في الدور الأرضي، دلفت فوقعت عيناي على عجب آخر، فتاة الدولاب وأمها، الفتاة ممدَّدة على باب الدولاب فوق الأرض، وأمها جالسة على كرسي بجوارها، زاد عجبي.
ولكن لم يمهلني الوقت زيادة تفكير حتى وصل ورق الأسئلة وبدأت اللجنة، وزَّعتُ ورق الامتحان على الطالبات، وطلبت من المرأة أن تجلس خارج اللجنة حتى تنتهي الفتاة من الحل، طمأنتُها ووضعت لها الكرسي حتى جلست، كلٌّ ينظر في ورقته، ولكن الفضول يكاد يقتلني، أوزع نظراتي على الطالبات جميعهن، ثم أنظر إلى الفتاة مليًّا، فأنتبه من لُجَّة الغرق في التفكير، فأعاود توزيع النظرات على الطالبات من جديد وهكذا، حتى تجاسرتُ وجلست بجانبها وسألتها عن قصة ساقها، فأخبرتني:
سقطتُ عن الدَّرَج قبل بدء الامتحانات بيومين، فأمر الطبيب بعمل جبيرة لا تُنزع إلا بعد ثلاثة أسابيع، ولم يكن بُدٌّ من أن أدخل الامتحان رغمًا عني، وبعد تفكير طويل صمَّمَتْ أمي على حملي فوق رأسها طيلة الطريق ذهابًا وإيابًا منذ خمسة أيام مذ بدأت الامتحانات، وها قد أتى آخر يوم لنا، ولا أدري كيف أشكر أمي على صنيعها.
انتابتني قشعريرةٌ سرتْ في بدني كلِّه، وانتصب شعر جسدي حتى انتفضتُ واقفًا، أيُّ امرأة تلك التي لم تكتفِ بما كتبه الله عليها من حملها ابنتها تسعة أشهر، لتحملها كرَّةً أخرى؟! ولكن شتان بين الحملينِ؛ فالأول كان مضغة، فعلقة، فعظامًا ولحمًا ودماءً، لا تتعدى في وزنها أربعة كيلوجرامات، أما الآخر فإنها تحمل فيه حملاً له القدرة هو الآخر على الحمل، مرَّ شريط المشهد أمام عينيَّ من جديد: الباب، الطفلة ممددة فوقه، المرأة النحيلة، سلم الكوبري، السيارات المسرعة، المرور بين الإقبال والإحجام، قطرات المطر، الطين الزلق، زلة الأقدام.
رددت في نفسي: لن تستطيعي، لن تستطيعي.